فصل: الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (42)}.

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأما العارفون فربما تِظِلُّهم في بعض أحايينهم وَقفةٌ في تصاعد سرِّهم إلى ساحات الحقائق، فيصيرون مُوقَفِين ريثما يتفضّلُ الحقُّ- سبحانه- عليهم بكفاية ذلك فيجدون نفاذًا، ويرفع عنهم ما عاقهم من الطرائق.
وفي جميع هذا فإِنَّ الحقَّ سبحانه غيرُ غافلٍ عن الخلقِ، ولا تاركٍ للعِباد.
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)}.
أنزل من السماء ماءَ المطر الذي هو سببُ حياةِ الأرضين، وذلك بقدرٍ معلوم. ثم... البلادُ مختلفةٌ في السَّقْي: فبعضها خِصْبٌ، وبعضها جَذْبٌ، وسَنةً يزيد وسنةً ينقص، سنةً يفيض وسنةً يغيض.
كذلك أنزلنا من السماء ماءَ الرحمة فيحيي القلوب، وهي مختلفة في الشُّرْب: فمِنْ موسَّع عليه رزقه منه، ومِنْ مُضَِيِّقٍ مُقَتَّرٍ عليه. ومِن وقتٍ هو وقت سحٍّ، ومنْ وقتٍ هو وقت حَبْسٍ.
ويقال ماء هو صوب الرحمة يزيل به دَرنَ العُصَاةِ وآثارَ زلّتِهم وأوضارَ عثرتِهم. وماء هو سقي قلوبهم يزيل به عطَشَ تحيهم، ويحيي به موات أحوالهم؛ فَتَنْبُت في رياض قلوبهم فنونُ أزهار البسط، وَصنوف أنوار الروح. وماءٌ هو شراب المحبة فيخص به قلوبًا بساحات القرب، فيزيل عنها به حشمة الوصف، وَيسكن به قلوبًا فيعطلها عن التمييز، وَيحملها على التجاسرِ ببذل الرُّوح؛ فإذا شربوا طَرِبوا، وإذا طَرِبوا لم يُبالوا بما وَهَبوا.
{فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)}.
كما يحيي بماءِ السماءِ الغياضَ والرياض، ويصنِّف فيها الأزهارَ والأنوارَ، وتثمر الأشجارُ وتجري الأنهار... فكذلك يَسْقِي القلوبَ بماءِ العرفان فتورق وتثمر بعدما تزهر، ويؤتى أُكلَها: من طيب عيش، وكمالِ بسطٍ، ثم وفورِ هيبة ثم رَوْحِ أُنسٍ، ونتائجِ تَجَلِّ، وعوائد قُرْبٍ... إلى ما تتقاصر العباراتُ عن شرحه، ولاَ تطمع الإشارات في حَصْره. اهـ.
من الإعجاز العلمي في القرآن للدكتور زغلول النجار: بحث بعنوان: من أسرار القرآن:

.الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (42)}.

بقلم: د. زغلول النجار.
هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية السدس الأول من سورة المؤمنون، وهي سورة مكية، وآياتها مائة وثماني عشرة آية، ويدور محورها الرئيسي حول قضية الإيمان، وصفات المؤمنين، ودلالات ومؤشرات ذلك، ومقارنته باضداده من الكفر بالله أو الشرك به تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقد استهلت السورة الكريمة بإثبات الفلاح للمؤمنين، واستعراض جانب من صفاتهم، وإثبات ميراث جنات الفردوس لهم خالدين فيها أبدا، وتابعت بالإشارة إلى عدد من آيات الله في الأنفس والآفاق، تشهد له سبحانه وتعالى بكمال الألوهية، والربوبية، والوحدانية، وبطلاقة القدرة المبدعة في الخلق مما يثبت له سبحانه القدرة على الافناء والبعث، وقد كانا دوما من حجج الكافرين والمتشككين والمعاندين.
واستمرت سورة المؤمنون بعد ذلك في تأكيد حقيقة الإيمان كما دعا إليها رسل الله أجمعين ومنهم الصفوة من لدن سيدنا نوح عليه السلام إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، وعرضت السورة لشيء من قصص هؤلاء الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعون الذين حملوا لأممهم الأمر الإلهي بالإيمان بالله-تعالى- ربا، وتوحيده، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله، والخضوع له بالطاعة والعبادة والحرص على المطعم الحلال الطيب، والعمل الصالح المفيد، وتأكيد وحدة الإنسانية، ووحدة الدين، هذه الإنسانية التي خالقها واحد، وأصلها واحد، ودينها واحد، وإلي هذا الخالق العظيم الذي له ملك السماوات والأرض ومن فيهن يرجع الجميع ويعودون ليحاسبوا على أعمالهم في حياتهم الدنيا بالإحسان إحسانا، وبالإساءة عقابا أو غفرانا حسب مشيئة رب العالمين وأمره.
وتابعت السورة الكريمة باستعراض عدد من شبهات المكذبين لدين الله الحق، الضالين عن هدايته، المحاربين لرسله وأنبيائه وأوليائه إلى الحد الذي يدفع الرسل والأنبياء، والأولياء إلى الاستنصار بربهم فيهلك الله المكذبين من أمثال الصهاينة المجرمين الذين يعيثون اليوم فسادا في أرض فلسطين، بدعم من الإدارة الأمريكية الفاجرة الكافرة، وصمت من بقية المشركين والكافرين والمتخاذلين، ومن سنن الله التي لا تتوقف، ولا تتخلف أن يهلك المكذبين الكافرين الفجرة، وأن ينجي عباده المؤمنين، كما سيحدث إن شاء الله-تعالى- على أرض فلسطين، وفي كل أرض محاصرة، وإلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وتمضي السورة في استعراض اختلاف الناس بعد الرسل، مؤكدة مرة أخرى وحدة الرسالة السماوية، ووحدة الجنس البشري، وإن افترقوا إلى مؤمن وكافر، وتكرر ذكر شيء من صفات كل من هاتين المجموعتين من البشر، وتشير إلى مصير كل منهم في الآخرة، وتؤكد أن المدد لنفر من الكافرين والمشركين في هذه الحياة الدنيا هو من قبيل استدراجهم، وليس دليل خير فيهم، فالمدد بالمال والبنين، والعلو الكاذب في الأرض، كما هو الحال مع كل من الأمريكيين والصهاينة الغاصبين لا يمكن أن يكون الا غضبا من الله تعالى عليهم من قبيل استدراجهم حتى إذا أخذهم لم يفلتهم إن شاء الله تعالى.
وتستنكر سورة المؤمنون المواقف المعادية من المشركين لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في القديم كما تستنكره في الحديث دون أدني مبرر واحد، وتشير إلى تعلل المشركين والكافرين بتشككهم في إمكانية البعث بعد الموت لجهلهم بطلاقة القدرة الإلهية، وقياسهم على الله تعالى ظلما بمعايير الناس.
وتسأل سورة المؤمنون الناس عددا من الأسئلة المنطقية حتى يجيبوا بفطرتهم، وينطقوا ما يؤكد تفرد الله-تعالى- بالألوهية، والربوبية والوحدانية، وأنه تعالى قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، المنزه عن الشريك والصاحبة والولد وأنه-تعالى- بيده ملكوت كل شيء، وهو الذي يجير ولايجار عليه...
ويأمر الله-تعالى- رسوله الكريم في هذه السورة المباركة والأمر بالتالي لكل المسلمين أن يدفع بالتي هي أحسن، وأن يستعيذ بالله من همزات الشياطين.
وتختتم السورة بمشهد من مشاهد الآخرة يهان فيه كل كافر ومشرك، ويؤاخذ على مواقفه الخاطئة في الدنيا، وتنتهي بإقرار التوحيد الخالص لله-تعالى-، وبالتوجيه بضرورة طلب الرحمة والمغفرة منه لأنه-تعالى- هو أرحم الراحمين..
والإشارات الكونية التي استشهدت بها سورة المؤمنون على ما ورد فيها من حق إشارات عديدة منها ما يلي:
(1) خلق السماوات والأرض بالحق.
(2) اختلاف الليل والنهار.
(3) إنزال الماء من السماء بقدر وإسكانه في الأرض.
(4) خلق الحياة بمختلف صورها.
(5) خلق الإنسان بمراحله المختلفة الجنينية وما بعد الجنين حتى يكتمل خلقه، ويتم ميلاده، ويستمر في مراحل نموه حتى وفاته، ثم بعثه وحسابه، وخلوده في حياة ابدية مقبلة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا.
(6) خلق السمع والبصر والأفئدة للإنسان، وبث جنسه في مختلف بقاع الأرض.
(7) تبادل الموت والحياة.
دورة الماء حول الأرض:

.أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18]:

ذكر ابن كثير يرحمه الله ما نصه: يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصي في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة، لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلا فلا يكفي الزرع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به. فسبحان اللطيف الخبير الغفور، وقوله: {فأسكناه في الأرض} أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابلية إليه، تشربه، ويتغذي به ما فيها من الحب والنوي، وقوله: {وإنا على ذهاب به لقادرون} أي: لو شئنا ألا تمطر لفعلنا، ولو شئنا أذي لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقيا لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدي لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذبا فراتا زلالا، فيسكنه في الأرض، ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي به الزروع والثمار، تشربون منه ودوابكم وانعامكم، وتغتسلون منه، وتتطهرون منه وتتنظفون، فلله الحمد والمنة.
وجاء في باقي التفاسير كلام مشابه تماما لما ذكره ابن كثير، فيما عدا المنتخب في تفسير القرآن الكريم جزى الله كاتبيه خيرا والذي أشار في هامشه إلى شيء من ارتباط هذه الآية الكريمة بدورة الماء حول الأرض وأضاف: وتشير هذه الآية إلى الحكمة العالية في توزيع الماء بقدر أي: بتقدير لائق حكيم، لاستجلاب المنافع ودفع المضار.. ثم معني آخر للآية الكريمة يفيد أن مشيئة الخالق-ـ جل وعلا-ـ اقتضت أن تسكن في الأرض كمية معلومة من المياه في محيطاتها وبحارها تكفي لحدوث التوازن الحراري المناسب في هذا الكوكب، وعدم وجود فروق عظيمة بين درجات حرارة الصيف والشتاء لا تلائم الحياة، كما في بعض الكواكب والتوابع كالقمر... كما أن مياه الأرض أنزلت بقدر معلوم، لا يزيد فيغطي كل سطحها، ولا يقل فيقصر دون ري الجزء البري منها.
وفي الحقيقة أن هذا السبق القرآني بالإشارة إلى أن أصل الماء الذي يمكن أن يستفيد به الإنسان من تحت سطح الأرض هو ماء المطر يعتبر جانبا من جوانب الإعجاز العلمي في كتاب الله، لأن السائد عن ذلك الماء تحت السطحي في كل الحضارات السابقة على البعثة المحمدية علي صاحبها أفضل الصلاة وأزكي التسليم من مثل الحضارة اليونانية القديمة أنه مندفع إلى داخل القارات من ماء البحار والمحيطات عبر هوة سحيقة تخيلوها وأسموها تاتار Tatare.
أما أرسطو فقد افترض أن بخار ماء التربة يتكاثف في التجاويف وقد استمرت هذه الافتراضات الخاصة سائدة حتى النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي 1877م، ولم تتبلور العلاقة بين ماء المطر والماء تحت سطح الأرض إلا أخيرا جدا مع بدايات القرن العشرين، وإن كان برنارد باليسي BernardPalissy قد أشار إلى شيء من ذلك في أواخر القرن السادس عشر الميلادي 1580م وكذلك ديكارت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي.

.دلالة الآية الكريمة في ضوء المعارف العلمية المكتسبة:

الماء سائل شفاف، وهو في نقائه لا لون له ولا طعم ولا رائحة، ويتركب جزيء الماء من ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأكسجين، وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتين تساهميتين تشكلان زاوية مقدارها 105 درجات، مماجعل لجزيء الماء قطبين كهربيين يحمل احدهما شحنة موجبة والآخر شحنة سالبة.
والماء من أهم ضرورات الحياة، فبدونه لا تقوم، ولذلك كان خلق الحياة الباكرة في الماء، وظلت الحياة في الماء منذ 3، 8 بليون سنة مضت وإلي يومنا الراهن، وحتي يرث الله الأرض ومن عليها، بينما لا يتعدي عمر الحياة الأرضية على اليابسة أربعمائة مليون سنة. وأجساد الكائنات الحية كلها يغلب على تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الانسان بين 93% بالنسبة للجنين في أشهره الأولي الثلاثة إلى الأربعة أشهر الأولي من حياة الجنين إلى 71% في الانسان البالغ، هذا بالاضافة إلى أن جميع الأنشطة الحياتية من مثل عمليات تصنيع الغذاء، وهضمه، وتمثيله، وإخراجه، وعمليات الأكسدة والاختزال، والانقسام، والنمو، والتكاثر، وغيرها لا يمكن لها أن تتم في غيبة الماء، فالنبات على سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق العناصر والمركبات الذائبة في ماء التربة والذي يمتصه ومحاليله بواسطة الشعيرات الجذرية، وترتفع هذه العصارة الغذائية في الأوعية الخشبية للنبات بالقدرة التي أعطاها الله تعالى للماء على الارتفاع بالخاصية الشعرية، وقدرته على خاصية التوتر السطحي، كذلك فان عمليات التمثيل الضوئي لا يمكن أن تتم في غيبة الماء، وبعد الاستفادة بالقدر الكافي من الماء في بناء خلاياه وأزهاره وثماره يطلق النبات الماء الزائد عن حاجته إلى الجو بعمليات عديدة منها النتح والتبخر.
وبالمثل فإن كلا من الانسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب، ويفقد الزائد منه عن حاجته بواسطة العديد من العمليات من مثل التنفس، والعرق، والدموع، والاخراج، وغيرها من الافرازات الجسدية.